دينكم فوق قدمي

يُحكى بأن الشيخ محيي الدين ابن عربي – وهنالك من ينسب ذلك إلى الحلاج – قد وقف أمام الناس وصاح بهم: دينكم ديناركم ومعبودكم تحت قدمي هاتين, فقتلوه لأنهم لم يفهموا بأنه كان يقصد بالدين هو الذهب الذي كان مدفونا تحت قدميه.
أنا آمل, وبسبب ما أكتبه هنا, أن لا يفكر أحدا بالذهاب إلى تقليد الذين قتلوا ابن عربي أو الحلاج, بحثا عن الكنوز فوق قدمي, لأن فوق قدمي لا يوجد لا ذهب ولا فضة, بل يوجد فراغ واسع وهواء طلق.
ما ذكّرني بهذه المقولة هو ما عشته ليلة البارحة من نشاط وتفاعل غير مسبوقين على صفحات التواصل الإجتماعي, وكذلك التوتر والشتم والغضب من بعض الأصدقاء, أو أصدقاء الأصدقاء, وما قابل ذلك من فرح وإبتهاج وسرور من أصدقاء آخرين, وكأن القدس قد عادت إلينا مجددا, وعمّ الأمن والسلام في بلادنا, وطردنا كل الغزاة والطغاة والظالمين منها.
للوهلة الأولى لم أصدق ما أراه وأقرأه على شاشة الحاسوب ولكنني وبعد لحظات قليلة عرفت بأن هنالك فريقان إسبانيان, ريال مدريد وبرشلونة, لعبا مباراة حصلت مساء يوم البارحة وتغلب فريق على الآخر. وما أذهلني أكثر من ذلك, هو العراك الذي حصل في العراق وفي الحسكة وما نتج عنه من عدد كبير للمصابين. وهنالك من ذبح صديقه بالسكين لأنه شجع الفريق الآخر.
تجربة مشابهة لما حصل عشية يوم البارحة, عشتها بنفسي قبل سنوات قليلة, وبعد إقامة في ألمانيا كانت قد تجاوزت الثلاثين عاما, كنت في زيارة للأهل هناك, حيث كنت مدعوا إلى عرس أحد أقاربي في إحدى القرى السورية ,وكان عدد المدعوين يتجاوز الألف شخصا, وكانت الطبول تضرب والشباب يدبكون الدبكات الشعبية والفلكلورات المعروفة, وكانت صفوف الدبكة طويلة جدا, والمواويل والزغاريد والفرح تملأ القرية وما حولها, ولكن وبعد أن أسدل الليل ستاره, حضر مطربان شابان وبدأا يحييان الحفلة بأصواتهم الجميلة وأغانيهم الممتعة وبعد وقت قصير وإذ ينقسم جمهور الشباب إلى قسمين متساويين تقريبا, قسم منهم يشجع فريق برشلونة والقسم الآخر يشجع فريق ريال مدريد, وكل قسم منهم يقودة أحد المطربين, وبعدما اشتد الوطيس, لبس كل مطرب منهم قميص الفريق الذي يغني له.
المنظر كان جميلا والمباراة الغنائية كانت أجمل, ولكن ما لفت نظري هو الحماس الذي أبداه الشباب والتعصّب والتشجيع المبالغ فيه كل منهم لفريق دولة أجنبية تبعد آلاف الكيلو مترات عن سوريا. هنا تضاربت في ذهني وخيالي الكثير من الأفكار والصور, وخطر ببالي أسئلة كثيرة, منها على سبيل المثال:
هل يعلم أعضاء الفريقين, أو المواطنين الإسبان بشكل عام, مستوى الحماس الذي يبديه شبابنا لمبارياتهم, أم أن مشاعر كل المشجعين لهم في العالم العربي والإسلامي لا تساوي لديهم كما يُقال “شخطة في ماء بحر”؟
أم أن شبابنا يلهون أنفسهم بأشياء بعيدة عن مشاكل بلادهم الداخلية, أن كانت سياسية أو إجتماعية أو معيشية, لأن حُكام بلادهم وقوانينها لا تسمح لهم في التدخل في هكذا مسائل؟
أم أن شبابنا أصبحوا يعتبرون التفاعل أوالحديث أوالإهتمام بشؤون الدول المتطورة فيه شيء من الرقي والتطور؟
أم أصبحت كل الأفكار والإيديولوجيات التي يطرحها المفكرين والمنظرين لا تخاطب شبابنا ولا تمس أفكارهم وتطلعاتهم؟
أم أن ما يحصل هو شيء من إنعدام الثقة بأنفسنا وتاريخنا وحضارتنا وأفكارنا؟
وأنا سألت نفسي لماذا لا يشجع المجتمع الألماني, أو المجتمع الأوربي بشكل عام, مباريات برشلونة وريال مدريد مثلما يشجعانهما الشباب العربي والمسلم؟
لماذا لا يتضامن العالم مع دماء أبنائنا ودموع أطفالنا بنفس الحماس الذي يبديه شبابنا لفرقهم الرياضية؟

في الحقيقة يوجد أسئلة كثيرة وكثيرة جدا, والتي أصبحت الإجابة عليها ضرورة ماسة. نعم, لقد أصبحت الرياضة تخرج في الكثير من الأحيان عن أهدافها النبيلة وفوائدها الكثيرة, وتحول القطاع الرياضي إلى تجارة, وأصبح يشبه سوق النخاسة الذي يتم فيه بيع وشراء بني البشر, وكذلك الكرة تحولت إلى دين وعقيدة, وهي كادت قبل سنين قليلة أن تشعل حربا ضروسا بين بلدين عربيين كبيرين, مصر والجزائر. نعم, الكرة تحولت إلى ملهاة للشعوب, وخاصة المنكوبة والمضطهدة منها, لكي تبعد أنظارها عن مطالبها المحقة والمشروعة في الحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة وتلهيها عن غطرسة وظلم وجشع حكامها وطغيانهم. وهنا علينا أن نسأل أنفسنا: هل حقا تحولت الكرة إلى أفيونا للشعوب؟
جمال قارصلي / نائب ألماني سابق من أصل سوري

You can leave a response, or trackback from your own site.

Leave a Reply

You must be logged in to post a comment.

Powered by WordPress | Designed by: Virtual Dedicated Servers | Compare Top CD Rates, Online Brokers and Buy Icons